Preloader
ترجمات
ماسيمو فينيلي
Dark Mode

دعوة للنقد

يرتبط اسم ماسيمو فينيلي (مواليد 1931) حتماً بتعميم الحداثة السويسريّة في الولايات المتّحدة خلال سنوات السّتّينات. في الواقع، إنّ برامجه المميّزة الّتي قام بعملها لصالح: الخطوط الجويّة الأمريكية (American Airlines) و( Knoll International ) و( New York Metropolitan Transportation Authority ) بالإضافة إلى أعمال أخرى، يُنسب إليها الفضل في استخدام خط هلفتكيا( Helvetica ) كالخطّ الطّباعيّ المعتمد بشكل مسبق من قِبل الشّركات الأمريكيّة بحلول عام 1970. ومع ذلك، فقد كان فينيلي -الّذي تدرّب كمهندس معماري- دائم الإعجاب بما اعتبره المستوى الأعلى للخطاب في العمارة، عدا عن الاحترام المهنيّ الّذي بدا أنّ الفكر النّقديّ يولّده. بحلول سنوات الثّمانينات، كان من المستحيل على فينيلي – كمتعاون مستمرّ مع مايكل جريفز وروبرت أ.م. شتيرن – تجاهل صعود “ما بعد الحداثة” وأوجه التّشابه الواضحة بين تقليديّة بناء الصّندوق الزّجاجيّ والقيود المفروضة على الخطوط الطّباعيّة منزوعة السّريف/التّرويس( sans-serif )، الّتي تمّ تنسيقها على شبكة من ثلاثة أعمدة. أتاحت دعوة من والتر هيرديغ لفينيلي لكتابة مقدّمة لطبعة عام ١٩٨٣ – ١٩٨٤ من جرافس السّنوية ( Graphis Annual ) الفرصة لفينيلي للدّعوة إلى اتّباع نهج أكثر صرامة فيما يخصّ انتقاد التّصميم الجرافيكيّ. كان فينيلي سابقًا لأوانه: فقد شهدت السّنوات التّالية نموًّا متسارعًا وتدريجيًّا في الكتابة المدروسة حول التّصميم الجرافيكيّ. — م.ب

لقد ولّد لدينا توجّه سنوات الثّمانينات المثير والمُغري والخطير للغاية رغبةً كبيرة في إعادة تقييم فلسفة مهنتنا وأصولها ومعناها كما نراه اليوم.

هناك حاجة هائلة للبحث التّاريخيّ في جذور مهنتنا، يجب أن نطلق لها العنان. ليس فقط عن حركة الحداثة، بل حتّى ما قبل الثّورة الصّناعيّة. نحن بحاجة إلى إعادة اكتشاف مدى ملاءمة تصميم ما قبل الثّورة الصّناعيّة. نحن بحاجة إلى فهم دوافع العقول المبدعة الّتي سبقت حركة الحداثة. إنّنا جميعاً من نسل حركة الحداثة ونريد أن نعرف المزيد عن أسلافنا المفكّرين. نحن بحاجة إلى جذورنا، وإلى معرفة من هم روّاد التّغيير، وما الّذي دفعهم إلى فعل ما فعلوه، ومن كان عملاؤهم، وكيف ساهمت علاقتهم بخلق جوّ من الإبداع الّذي أثّر على الآخرين كذلك.
إنّ المعلومات التّاريخيّة واستبطان الذّات والتّفسير مفقودون تمامًا في مهنتنا، وأعتقد أنّنا نشعر بحاجة ملحّة لسدّ هذه الفجوة. إنّ تطوّر نظريّة التّصميم الجرافيكيّ في القرن الحاليّ هو نتيجة طبيعيّة لتطوّر الفنون الأساسيّة. لقد أهان هذا الوضع مهنتنا ثقافيّاً. إنّ العواقب هي خواء وانعزال كامل للنّظريّة وفائض من الصّرعات السّطحيّة العابرة. لقد آن الأوان للتّعبير عن القضايا النّظريّة ومناقشتها من أجل توفير ساحة للصّراع الفكريّ الّذي يجب أن تتشكّل منه بيئتنا البصريّة. لقد حان الوقت للمناقشة واستقصاء القيم وفحص النّظريّات الّتي تشكّل جزءًا من تراثنا، والتّحقّق من صلاحيّتها للتّعبير عن عصرنا. لقد آن أوان الاستماع إلى صوت العقل.

من الممكن أن يكون لظهور علم الدّلالات والرّموز تأثير عميق على مهنتنا. سيقوم هذا العلم بتأسيس مفهوم غير مسبوق للوعي والتّعبير. إنّ التّاثيرات النّظريّة للتّقنّيات الجديدة على الطّريقة الّتي نرى ونعبّر بها عن الكلمة المطبوعة والصّورة الجرافيكيّة هي مجال هائل من الاستكشاف والبحث الّذي لم يتمّ التّطرّق إليه من قبل . مرّة أخرى، إنّ نقص وجود المنشورات المهنيّة الملائمة يحرمنا جميعًا من التّحفيز الّذي يمكن أن ينبثق عن الحوار.

لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أنّه إلى جانب الافتقار إلى التّاريخ والنّظريّة، فإنّ النّقد مفقود تمامًا. إنّ الوظيفة الرّئيسيّة للنّقد لا تتمثّل بتقديم مراجعات تملّقيّة أو تشويهيّة، بل تتمثّل في تقديم تفسيرات إبداعيّة للعمل أو للفترة الزّمنيّة أو للنّظريّة الّتي يتمّ تحليلها. من بين تلك التّفسيرات الإبداعيّة ينبثق ضوء جديد يُلقى على الأشياء، ونبدأ بالانتباه إلى معانٍ وانعكاساتٍ جديدة.

إنّ النّقد يُتيح للمصمّمين إمكانية القراءة متعدّدة الطّبقات لأعمال المصمّمين الآخرين، أو يمنحهم الفرصة للتّركيز على معنى حركات تعبيريّة معيّنة. إنّ النّقد سيمنع -إلى حدّ كبير- الانتشار السّطحيّ للصّرعات والبدع، أو في كلّ الأحوال سيوفّر أرضيّة لتقييمها في السّياق الملائم. لن يكون التّصميم الجرافيكيّ مهنة حتّى يكون لدينا نقد.

إنّ الحاجة إلى إعادة التّقييم تدعونا للتّوثيق. نحن متعطّشون للتّوثيق المدروس الّذي يمكن أن يزوّدنا بمصادر للمعلومات من أجل إعادة تقييم الفترات الزّمنيّة أو الأشخاص أو الأحداث. إنّ منشورات التّصميم الجرافيكيّ حول العالم توفّر مصدرًا جيّدًا للتّوثيق، رغم أنّها تقوم بذلك بطريقة غير متفاعلة ومنفصلة في أغلب الأحيان.
إنّنا بحاجة إلى استنهاض الوعي بأنّ كلّ إيماءة في الحاضر تعتبر وثيقة للمستقبل، وأنّ حاضرنا سيُقاس فقط بهذه الإيماءات.

نُشر لأوّل مرّة في Graphis Annual 83/84 مأخوذ من: البحث عن قرب 3 • كتابات كلاسيكيّة عن تصميم الجرافيك حرّره مايكل بيروت، جيسيكا هيلفاند، ستيفن هيلر، ريك بوينور
ترجمة أميمة دجاني و محمود الحسيني.
حقوق النّشر 1999 Allworth Press

كتابات آخرى

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *