Preloader
كتابات نقديةمقالات
Dark Mode

الاختفاء التدريجي

تتميز القاهرة بأنها مدينةٌ الثابتُ فيها هو التحوّل المستمر، والعشوائية. فهناك نسيج دائم التحوّل من المحفزات العشوائية – التي تتميز بالخلل – تنتج عن مطاطية قواعد المرور، وعن أداء أرصفة الشوارع أدوار أخرى غير دورها المفترض لخدمة المشاة، وانعدام تخطيط حقيقي للنماذج المعمارية السكنية، والنمو العضوي لكيانات فوضوية من الطوب يسكنها البشر. يجد سكان تلك المدينة أنفسهم محاطين بلافتات، ورموز، وعناصر بصرية مجردة لأفكار تعلن عن نفسها بأساليب ووسائط مختلفة. حتى ثمانينيات القرن العشرين، ساد ذلك المشهد البصري أنواع خطوط – رقمية ويدوية – تمثل صيحات واتجاهات مختلفة في مجال التصميم، ظهرت على واجهات المباني التي تنتمي إلى مدارس معمارية مختلفة عبر جميع أنحاء المدينة. تتأثر العملية الإبداعية – المتمثلة في قيام المصمم بتحويل أفكاره إلى أشكال – بمزيج بين التقاليد والتكنولوجيا، إلا أن التيبوغرافيا اليدوية التي تخطت القيود الصارمة لفن الخط العربي كانت شائعة الاستخدام في المساحة العامة قبل تطور العصر الرقمي. تتضمن الأمثلة رسم الحروف دون وصلها ببعضها البعض، وتيبوغرافيا أحادية التباعد أو مبنية على شبكة من المسافات الثابتة، ولافتات مكتوب عليها بلغتين مختلفتين مع معالجة التيبوغرافيا بشكل يتوافق مع اختلاف أنماط وأشكال حروف اللغتين. كانت مثل تلك اللافتات تمثل أكثر من مجرد حامل للبيانات المكتوبة عليها (والتي هي الغرض الأساسي من اللافتة)؛ فهي أيضًا تسمح لنا أن نشهد العلاقة اللصيقة بين المجالات البصرية المختلفة التي تتواجد في السياق الحضري؛ أعني هنا بالأساس العلاقة بين التصميم، والتيبوغرافيا، والعمارة، والرسوم. لعب المعماريون – الذين كانوا في ذلك الوقت مسؤولين عن تشكيل الهويات الخاصة بالمساحات التي كانوا يصممونها؛ مثل واجهات المحلات، والعناصر المطبوعة – الدور الأساسي في تشكيل تلك اللغة البصرية، كما تداخل دورهم مع دور التيبوغرافيين؛ وذلك بفضل اختراع نسخ عربية من أوراق اللتراسيت للطباعة الجافة في منتصف الستينيات.

فندق البارون – اﻟﻤدخل
هليوبوليس، القاهرة
٢٠١٥

كانت الثمانينيات فترة ملهمة لمن تربى بها. في ذلك الوقت كانت العلاقة الملموسة بين مجالَي التصميم الغرافيكي والعمارة تعكس العلاقة بين المدينة ومواطنيها بشكل واضح. كان الوضع مشابهًا أيضًا في مدن مثل بيروت وعمّان. في تلك الفترة، كان إنتاج المصممين في المساحة العامة مُوثَّق في نسيج تلك المدن العمراني والسكاني المركب؛ مما فتح المجال أمام وجهات نظر، وحلول متعددة، ودرجات متفاوتة من التعقيد؛ فقد كانت اهتمامات المصممين وميولهم للتجريب مرئية من خلال لغة بصرية حضرية تعكس ما شهدته مجتمعاتهم الحديثة من غنى، وتعدد للثقافات واللغات. أتاح ذلك المشهد البصري الغني إمكانية النقاش البناء حول قضايا الشكل، والوظيفة، والقيم الجمالية؛ وجميعها قضايا ما زال تناولها والنقاش حولها يحمل أهمية كبيرة إلى يومنا هذا. بالرغم من ذلك هناك فجوة تتسع باستمرار بين السياق العام وبين من يعيش بداخله؛ حيث يتحول المواطنين إلى غرباء يحاولون جاهدين إما الانتماء إلى مدينتهم أو الهروب منها تمامًا.

إنجي علي
عيادة الطب الطبيعي الحديثة – الزمالك
القاهرة ٢٠١٥

في أواخر تسعينيات القرن العشرين وأوائل الألفية كانت هناك محاولات للبحث عن الذاكرة المكانية. كان ذلك دافعًا وراء الإتيان بلغات بصرية جديدة لكي تولد من خلالها ذكريات جديدة. كانت تلك التطورات أكثر وضوحًا في الوسائط المطبوعة التي انتشرت فجأة على حوائط المدينة؛ خاصة الملصقات التي كانت تعلن عن فعاليات ثقافية أو توثقها؛ مثل الحفلات الموسيقية، وعروض الأفلام، ومعارض الفن المعاصر. أظهرت مثل تلك التجليات إمكانية ترجمة الأفكار بأشكال متنوعة؛ وأظهرت نشوء جيل جديد من المصممين والجمهور على استعداد للتواصل باستخدام لغات بصرية جديدة.

خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية تم استبدال الطابع البصري للعقود السابقة تدريجيًا بمواد وبأشكال جديدة، فقد أصبحت التقنيات الحديثة تفرض سيطرتها على التصميم؛ فللنظر على سبيل المثال إلى شبكات مصابيح الفليورسنت – التي تضيء اللافتات الدعائية الكبيرة من الداخل – قبل أن يثبت عليها الملصق البلاستيكي. قاد ذلك التطور في أشكال تنفيذ الملصقات إلى نسيان الإنتاج البصري للماضي غير البعيد؛ حيث تتعرض ذكرياتنا المتعلقة بالشوارع التي نعرفها إلى طمس ملامحها شيئًا فشيئًا. ولا يمكن إنكار أن لتلك الوسائط المعاصرة مزايا عديدة مثل سرعة التنفيذ، والمرونة، وإمكانية تنفيذ تفاصيل معقدة، بالإضافة إلى اتساع قاعدة من باستطاعتهم ممارسة التصميم مما يفضي أحيانًا إلى خلق عناصر بصرية غير متوقعة ذات ذوق شعبي فطري؛ إلا أن تلك المزايا تجعل أيضًا من السهل التخلي عن التفكير بشكل مفاهيمي فيما يخص عملية التصميم، كما أنها تؤدي إلى طمس الخصائص الجمالية للوسيط الذي يحمل التصميم.

“لا يمكن لأي تصميم أن يعيش في معزل عما حوله؛ فهو دائمًا متصل – بشكل معقد للغاية في بعض الأحيان – بمجموعة مركبة من المواقف والتوجهات التي تؤثر فيه”.

(جورج نيلسون)

عن طريق التساؤل حول توهُّماتنا المعتادة، والسماح لتساؤلاتنا أن تتخذ شكلًا عضويًا بحيث تتصالح مع إمكانية ارتكاب الخطأ والسماح بتدخل الصدفة، نبدأ بذلك نقاشات وحوارات جديدة. تهدف تلك العملية إلى تتبع ومراقبة مجاري التصميم الحديثة مراقبة حثيثة، كما تطمح إلى استكشاف مواطن التشابه والاختلاف بين الممارسات المختلفة في عالم التصميم والرسم الغرافيكي في المنطقة. نحن نهدف إلى إنتاج ذكريات جديدة، وأن نبدأ حوار مع محيطنا؛ وذلك رغبةً منا في الاتجاه نحو إمكانية مستقبل بديل.

إنجي علي
لتراست بطرس أسود – مراد بطرس
١٤ مم
أرشيف شخصي

“فلتتخذ متعتك بجدية”.

(تشارلز إيمز)

نشر <الاختفاء التدريجي> بالملاحقة مع معرض <الأوهام والأخطاء> ، دبي ، نوفمبر ٢٠١٧. <الأوهام والأخطاء> هو تعاون بين: إنجي علي + ستوديو موبيوس للتصميم + تشكيل + فيلتفورمات. بدعم من المؤسسة الثقافية السويسرية، بروهلفتسيا القاهرة.

كتابات آخرى

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *